الآلوسي
134
تفسير الآلوسي
له فائدة ثم تحصل لنا حال شوقية ثم ميلان نفساني هي الإرادة ثم تنبعث القوة الباعثة للقوة المحركة للأعضاء نحو إيجاده فيحصل لنا ذلك الشيء فلكل واحد من تلك الأمور دخل في وجود ذلك الشيء ، ثم قالوا : فكما لا بد في صدور الأفعال الاختيارية فينا من هذه الأمور كذلك لا بد في صدور الأفعال الاختيارية للواجب من نحو ذلك مما لا يمتنع عليه سبحانه فأثبتوا له تعالى علماً وإرادة وقدرة وفائدة لأفعاله ، واستدلوا على ذلك من كونه سبحانه مختاراً فالخلق التدريجي لما كان دالاً على الاختيار الدال على ما ذكر صدق أن فيه اعتباراً للنظار . وحاصل هذا أن المراد من النظار أصحاب النظر والبصيرة من العقلاء فلا يتوقف ما ذكر على تقدم خلق الملائكة على أن من قال بتقدم خلق العرش والكرسي على خلق الأرض والسماوات قائل بتقدم خلق الملائكة بل قيل : إن من الناس من قال بتقدم خلق نوع من الملائكة قبل العرش والكرسي وسماهم المهيمين . وأنت تعلم أن هذا لا يفيدنا لأن المهيمين عند هذا القائل لا يشعرون بسماء ولا أرض بل هم مستغرقون فيه سبحانه على أن ذلك ليس بالمحقق كما يقوله المعترض أيضاً ، وقيل : إن الشيء إذا حدث دفعة واحدة فلعله يخطر بالبال أن ذلك الشيء إنما وقع على سبيل الاتفاق فإذا أحدث شيئاً فشيئاً على سبيل المصلحة والحكمة كان ذلك أبلغ في القدرة وأقوى في الدلالة ، وقيل : إن التعجيل في الخلق أبلغ في القدرة والتثبت أبلغ في الحكمة فأراد الله تعالى إظهار حكمته في خلق الأشياء بالتثبت كما أظهر قدرته في خلق الأشياء بكن . * ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش ) * وهو في المشهور الجسم المحيط بسائر الأجسام وهو فلك الأفلاك سمي به إما لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك فإنه يقال له عرش ومنه قوله تعالى : * ( ورفع أبويه على العرش ) * ( يوسف : 100 ) لأن الأمور والتدبيرات تنزل منه ، ويكنى به عن العز والسلطان والملك فيقال : فلان ثل عرشه أي ذهب عزه وملكه وأنشدوا قوله : إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم * وأودت كما أودت إياد وحمير وقوله : إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم * بعيينة بن الحرث بن شهاب وذكر الراغب " أن العرش مما لا يعلمه البشر ( على الحقيقة ) إلا بالاسم ، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملاً له - تعالى عن ذلك ( لامحمولاً ) ( 1 ) ، و ( ليس كما ) قال قوم : إنه الفلك الأعلى والكرسي فلك الكواكب " وفيه نظر ، والناس في الكلام على هذه الآية ونحوها مختلفون ، فمنهم من فسر العرش بالمعنى المشهور ، وفسر الاستواء بالاستقرار وروي ذلك عن الكلبي ومقاتل ورواه البيهقي في كتابه " الأسماء والصفات " بروايات كثيرة عن جماعة من السلف وضعفها كلها . وما روي عن مالك رضي الله تعالى عنه " أنه سئل كيف استوى ؟ فأطرق رأسه ملياً حتى علته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ثم قال للسائل : وما أظنك إلا ضالاً ثم أمر به فأخرج " ليس نصاً في هذا المذهب لاحتمال أن يكون المراد من قوله : غير مجهول أنه ثابت معلوم الثبوت لا أن معناه وهو الاستقرار غير مجهول . ومن قوله : والكيف غير معقول أن كل ما هو من صفة الله تعالى لا يدرك العقل له كيفية لتعاليه عن ذلك فكف الكيف عنه مشلولة . ويدل على هذا ما جاء في رواية أخرى عن عبد الله بن وهب أن مالكاً سئل عن الاستواء فأطرق وأخذته الرحضاء ثم قال : * ( الرحمن على العرش استوى ) * كما وصف نفسه ولا يقال له : كيف وكيف عنه مرفوع إلى آخر